كأس إفريقيا للأمم في المغرب بين الزخم الرياضي واختبار الوعي الجماعي
آخر تحديث GMT 11:27:21
المغرب الرياضي  -
المغرب الرياضي  -
آخر تحديث GMT 11:27:21
المغرب الرياضي  -

61

كأس إفريقيا للأمم في المغرب بين الزخم الرياضي واختبار الوعي الجماعي

المغرب الرياضي  -

المغرب الرياضي  - كأس إفريقيا للأمم في المغرب بين الزخم الرياضي واختبار الوعي الجماعي

جماهير المنتخب المغربي
الرباط - المغرب اليوم

لم تكن كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب مؤخرًا حدثًا رياضيًا عاديًا يمكن اختزاله في نتيجة أو لقب، بل شكّلت لحظة كاشفة لمسار طويل، واختبارًا للوعي الجماعي أكثر مما كانت امتحانًا تقنيًا داخل المستطيل الأخضر. إن القراءة التي تحصر هذه التجربة في منطق الفوز والخسارة وحده تظل قاصرة، لأنها تقع في ما يُعرف بالاختزال الحدثي (event-based reductionism)، أي التعامل مع الوقائع الكبرى باعتبارها لحظات معزولة، لا باعتبارها حلقات ضمن سيرورة تاريخية ومعرفية ممتدة.

ما أظهرته هذه الكأس هو أن بلدًا قد لا يربح كل شيء على أرضية الملعب، لكنه قد يحقق خارجه انتصارات أعمق وأكثر رسوخًا، تمس البنية الذهنية، وتعيد ترتيب منظومة الإدراك، وتنتج مكسبًا معرفيًا دائمًا داخل المجتمع. بهذا المعنى، تحولت البطولة إلى لحظة تبلور جماعي، ظهرت خلالها ديناميات القوة الرمزية، والتنافس الإقليمي، والحرب السردية، والتلاعب بالمعلومة، إلى جانب تشكّل وعي أكثر نضجًا وصلابة.

أحد أهم ما أفرزته هذه التجربة هو بروز قناعة سياسية جديدة لدى شريحة واسعة من المغاربة، قوامها أن ما يهم في النهاية ليس الاعتراف الخارجي ولا الخطابات العاطفية عن الأخوّة، بل المصلحة الوطنية الواعية.

لقد وضعت هذه الكأس حدًا لما يمكن تسميته بالسذاجة العلائقية، التي تفترض وجود تضامن تلقائي بين الشعوب، في حين تؤكد الوقائع أن كل دولة تتحرك أولًا وفق مصالحها. هذا التحول نقل الوعي الجمعي من تصور وجداني للعالم إلى قراءة واقعية لموازين القوة.

في هذا السياق، اشتغلت البطولة كآلية لكشف الخطابات الموظفة سياسيًا، حيث سقطت شعارات قُدّمت طويلًا باعتبارها تعبيرًا عن حسن النية (مثل شعار «خاوة خاوة»)، لتظهر في حقيقتها كأدوات تلاعب رمزي تُستعمل عند الحاجة من طرف الخصوم لضرب التماسك الداخلي.

ضمن هذا المسار، يبرز أيضًا مفهوم «الكولسة» الذي تسلل إلى المجال التداولي المغربي خلال السنوات الأخيرة. هذه الكلمة، القادمة من خطاب عدائي، جرى تطبيعها تدريجيًا حتى أصبحت تفسيرًا جاهزًا لكل نجاح. ومع التكرار، تحولت إلى ذهنية تضرب الثقة في الذات، وتقنع الناس بأن كل تفوق لا بد أن يكون وراءه تلاعب خفي. غير أن ما كشفت عنه هذه التجربة هو أن النجاح، حين يكون ثمرة عمل وتخطيط واستمرارية، لا يحتاج إلى أساطير تبريرية.

وبالتوازي مع ذلك، لم تكن الحملة التي رافقت البطولة حملة واحدة متجانسة، بل كانت متعددة الوجوه، قائمة على تبادل أدوار مدروس. فمن جهة، تولى بعض الفاعلين نشر الأكاذيب الصريحة، وكيل الاتهامات، والتشكيك في التنظيم، وفي النزاهة، وفي النوايا. ومن جهة أخرى، صدرت بلاغات وتصريحات هادئة، مغلّفة بلغة الاحترام، تعترف بالإنجاز، وتشكر على حسن التنظيم، وتُظهر قدرًا من اللباقة الدبلوماسية.

هذا التناوب بين التصعيد والتهدئة لم يكن بريئًا، بل جزءًا من استراتيجية تقوم على توزيع الأدوار: طرف يهاجم بلا سقف، وطرف يبدو عقلانيًا ومتزنًا، فيربك المتلقي، ويخلق انطباعًا مضللًا بأن الحقيقة تقع في المنتصف.

وقد تجلّى هذا المنطق بشكل أوضح في ما تعرض له المنتخب الوطني نفسه من حرب نفسية مركزة (psychological warfare). لم يكن الهدف من ذلك إسقاط الفريق تقنيًا، بل زعزعة تماسكه الداخلي، وضرب ثقته في ذاته، وفي مدربه، وفي عدالة المنافسة، وكذلك ضرب ثقة الجمهور في فريقه، عبر تصريحات متكررة، وضغوط إعلامية، وبث أجواء توتر قبل وأثناء وبعد المباريات. كل ذلك كان يرمي إلى خلق شرخ نفسي، لأن الفريق الذي يشك في نفسه لا يحتاج إلى خصم قوي ليُهزم.

هذا الضغط لم يتوقف عند هذا الحد، بل استمر حتى صافرة النهاية الأخيرة، حيث مارس الفريق السنغالي، تحت قيادة مدربه سيئ الذكر، شكلًا من الخبث الكروي في أسوأ صوره، عبر التصريحات المستفزة، والضغط المتواصل على الحكام، واستثمار كل ما هو خارج إطار اللعب النظيف، ومحاولة نقل المواجهة من بعدها الرياضي إلى بعدها النفسي والفوضوي. هذا السلوك وجد امتداده في تصرفات فئة من الجماهير التي لجأت إلى العنف ومحاولات الانفلات، في لحظات كانت كفيلة بتحويل المباراة إلى فوضى مفتوحة، لولا التدخل الناجح والمسؤول لقوات الأمن المغربي.

وبالتوازي مع ذلك، تنبّه الرأي العام المغربي إلى وجود حملات منسقة ابتدأت بالتضليل والتبخيس، وانتهت إلى التشفي والسخرية، تعتمد على مزارع الترول (troll farms)، وفاعلين رقميين محترفين، وانتحال الهوية (identity spoofing)، وخطابات وطنية زائفة (false-flag narratives)، هدفها التشويش على النقاش العام وضرب الثقة في الذات.

ومن الخطأ في هذا السياق الاستهانة بالخصم أو السخرية منه. إن العدو ليس غبيًا، حتى وإن بدا خطابه أحيانًا فَجًّا أو متناقضًا. ما يُمارَس في الواقع هو تضليل ممنهج يعتمد على تقنيات معروفة، من بينها تقنية «خرطوم الأكاذيب» (firehose of falsehood)، التي تقوم على إغراق الفضاء العام بسيل متواصل من الأخبار الزائفة أو المشوّهة، بسرعة وكثافة، ومن مصادر متعددة، بهدف إنهاك العقل الجماعي وتشويش القدرة على التمييز.

وهنا تبرز ضرورة التنبه إلى آليات رصد هذا النوع من الهجمات وكيفية التعامل معها. فمن أبرز المؤشرات العملية على الخطاب المضلل تكرار الرسائل نفسها بصياغات متقاربة، والحضور المكثف لحسابات حديثة أو مجهولة، والانتقال السريع من النقاش إلى السبّ والتشكيك، وغياب المعطيات القابلة للتحقق. هذه السمات تندرج ضمن ما يُعرف بالسلوك الزائف المصطنع (coordinated inauthentic behavior).

أما المواجهة الفعالة فلا تكون بالانفعال ولا بالرد العشوائي، بل باعتماد النظافة المعلوماتية (information hygiene)، أي التحقق من المصادر، وتأطير الأخبار في سياقها، والامتناع عن إعادة نشر المحتوى المسموم، إلى جانب بناء مناعة معرفية (cognitive immunization) قائمة على فهم آليات التضليل قبل الوقوع في أثرها.

في مقابل هذا الضغط متعدد المستويات، برز عامل حاسم شكّل أحد أكبر مكاسب هذه الكأس، ويتمثل في الجمهور المغربي. فعلى عكس منتخبات أصبحت تلجأ إلى ممارسة الابتزاز من أجل استجداء دعم جماهيري ظرفي من البلد المضيف، يحضر الجمهور المغربي مع منتخبه في كل بقاع العالم حضورًا طبيعيًا وتلقائيًا، نابعًا من انتماء راسخ لا من تعبئة عابرة. إذ عبّر المغاربة عن فخرهم واعتزازهم ببلدهم، ليس عبر تشجيع انفعالي، بل عبر حضور واعٍ ومنضبط، نابع من وجدان أمة لها تاريخ عريق.

واستمات اللاعبون بدورهم على أرض الميدان بشكل بطولي، وهم يدركون ثقل القميص الوطني وما يحمله من رمزية ومسؤولية. هذا التلاقي بين جمهور واعٍ وفريق مقاتل حوّل المدرجات إلى فضاء رمزي يعزز الهوية ويقوي التماسك، وشكّل ربحًا معنويًا حقيقيًا، لأنه أسّس لمناعة جماعية في وجه حملات التشويش.

أما النجاح التنظيمي الذي حققه المغرب خلال هذه البطولة، فقد ساهم في ترسيخ صورة دولة ذات قدرة تنظيمية موثوقة. غير أن هذا النجاح في مجال بناء صورة الدولة (nation branding) لم يولّد الإعجاب فقط، بل أفرز أيضًا غيرة بنيوية، لأن التقدم حين يكون واضحًا ومستقرًا يستفز بالضرورة أطرافًا تعيش التعثر. فالقاعدة هنا بسيطة: التقدم يستجلب العداء.

وفي العمق، لا يمكن فهم كل ما جرى بمعزل عن خصوصية المغرب نفسه. فالمغرب ليس دولة طارئة على التاريخ، ولا كيانًا بنى هويته على التشبث بالآثار والأطلال. هو دولة عريقة، ذات تاريخ طويل من البطولات، وإرث حضاري حي، واستمرارية تاريخية لم تنقطع عبر الزمن. فبخلاف كيانات أخرى كانت مجرد ممر للغزاة والعابرين، حافظ المغرب على جوهره، وبنى ذاته عبر التراكم لا عبر القطيعة.

ما خرج به المغاربة من هذه التجربة يتجاوز كرة القدم بكثير. خرجوا بوعي أكثر نضجًا، وبقدرة أعلى على التمييز بين النقد المشروع والحرب النفسية، وبين الخلاف الرياضي والاستهداف الرمزي.

وفي زمن تتداخل فيه الحروب الإدراكية مع الصراعات السياسية، يظل الانتصار الأعمق هو ذاك الذي يجعل المجتمع أقل قابلية للتلاعب، وأكثر ثقة بذاته، وأعمق فهمًا لمساره.

هذا الانتصار لا يُقاس بالكؤوس، لكنه هو الذي يحدد قدرة الأمة على الاستمرار بثبات في طريقها نحو الازدهار.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

الركراكي يعتبر تعادل مالي درسًا مفيدًا ويؤكد مواصلة المسار نحو صدارة المجموعة في كأس إفريقيا 2025

المنتخب المغربي يختتم تحضيراته لمباراة زامبيا

 

 

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كأس إفريقيا للأمم في المغرب بين الزخم الرياضي واختبار الوعي الجماعي كأس إفريقيا للأمم في المغرب بين الزخم الرياضي واختبار الوعي الجماعي



GMT 10:13 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح يقتحم قائمة أفضل 50 لاعبًا فى العالم بالعقد الأخير
المغرب الرياضي  - محمد صلاح يقتحم قائمة أفضل 50 لاعبًا فى العالم بالعقد الأخير

GMT 10:25 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

برشلونة يهزم ريال أوفييدو ويستعيد صدارة الدوري الإسباني
المغرب الرياضي  - برشلونة يهزم ريال أوفييدو ويستعيد صدارة الدوري الإسباني

GMT 00:12 2025 السبت ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

مواجهات قوية في ثالث جولات دوري رجال الطائرة

GMT 15:08 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

زوجة الدولي أيوب الكعبي ترد علي منتقديها عبر مواقع التواصل

GMT 02:01 2022 الإثنين ,07 آذار/ مارس

هزيمة مخيبة لآمال حبيب نورمحمدوف

GMT 10:51 2019 السبت ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

جنون الريمونتادا
 
moroccosports

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

moroccosports moroccosports moroccosports moroccosports
moroccosports moroccosports moroccosports
moroccosports

RUE MOHAMED SMIHA, ETG 6 APPT 602, ANG DE TOURS, CASABLANCA, MOROCCO.

Beirut Beirut Lebanon